Untitled

27
مايو
2018
( أبو طالب ع ..رجل المبدأ ) الشيخ عمار الشتيلي
نشر منذ 4 اسابيع - عدد المشاهدات : 511
38985777daa083b8cae3b620125a89705476.jpeg





    
ونحن في سوق الدنيا حيث تزاحم الاختبارات ، وتنوع العلاقات في كل مستويات الحياة ، تستوقفنا حالة تكاد تكون من اللوازم الذاتية للعلائق المجتمعية بيننا وبين الاخرين ، وهي المبدئية والمصلحية .
وهنا ونحن في اجواء الاستثمار الواعي لمناسبات شهر رمضان نطرح انموذجا للمبدئية الحقيقية وهو سيدنا ابو طالب ع .
لنتعرف على معنى الانسان المصلحي والانسان المبدئي أولا ، ثم ناتي لنستجلي دروس المبدئية من سيرة شيخ البطحاء ع .
الانسان المصلحي : هو من لا يستند
على مبادئ ثابتة ، فيصبح عرضة لأهوائه ومغريات الحياة، فقد تدفعه حفنة من الأموال لبيع نفسه ، او بيع دينه ، او يدفعه حب السلطة ليغير مواقفه .
وهذا النمط من الناس _ والحال هذه _ يتنازل تدريجيا عن مبادئه التي كان يتشدق بها في سبيل مصالح آنية ، فيكسب عرضًا زائلاً ويخسر سمعته وقيمه ووقاره . حتى اننا نلحظ بعض الناس في مجتمعنا اليوم يغير مبادئه مثلما يغير سيارته او لون جدران بيته .
اما الانسان المبدئي : هو الذي لا ينهى عن فعل ويأتي بمثله ، ولا يتغير معدنه مهما اشتدت به الخطوب ، وتثاقلت عليه الزلازل ، لأنه يعتبر المبادئ خطوطًا حمراء لا يتجاوزها ، وليس للنفاق وجود في قاموسه. 
ولذا كان وما زال تعبير ( صاحب مبدأ ) وصفًا محمودًا جميلا مقبولا لن يدركه المتلونون والمتزلفون . 
و صاحب المبدأ هو الذى يلتزم العدل والحيادية فى اقواله وافعاله و قراراته واحكامه دون ميل للهوى او مجاملة لأحد. 
فلما نمر بشخصية رسول الله ص ، نرى رجلا كانت المبادئ تترشح من كل جنباته دروسا واخلاقا وقيما ومواقفا ، وهو الذي ثبت صلبا قويا صبورا معطاءا رغم كل ما مرت به الدعوة الاسلامية من مخاضات ، يصفه الامام علي ع :
( وَاعِياً لِوَحْيِكَ حَافِظاً لِعَهْدِكَ مَاضِياً عَلَى نَفَاذِ أَمْرِكَ حَتَّى أَوْرَى قَبَسَ الْقَابِسِ وَأَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ وَهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ وَالْآثَامِ ) (1) .
ولما نمر بامير المؤمنين ع نجد إنسانا مبدئيا وليس ً برجماتياً ، انسانا كان مع الحق ، وكان الحق معه ، فعندما تبحث عنه ( ع ) تجده رجل المبادئ في الدين والاجتماع والاقتصاد والحرب والسلم والسياسة ، السياسة التي نظر لها السياسي الإسلامي المبدئي علي ع بانها مبدئية وليست برجماتية ، فالسياسة البرجماتية: هي التي تكون منطلقاتها منطلقات مصلحيه .
و السياسة المبدئية: وهي التي تكون منطلقاتها المبادئ والقيم، يقول : ( والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، وقد يرى الحول القلبّ وجه الحيلة ودونها حاجز من تقوى الله ) (2 ) 
ولا غرو ان ابا الحسن ع سليل مدرسة المبادئ التي اسسها رسول الله ص ، وهو وريث مدرسة ابي طالب ع الذي كان فيها شيخ البطحاء ع هو الفارس المجلي في ميدان المبادئ والقيم .
ونحن نمر بذكرى وفاته ع ، تستوقفنا المبدئية التي سار بها هذا الرجل العظيم في حياته . نقرأ السيرة لنعيش ابا طالب ع سلوكا في تصرفاتنا ، ونجسده حقا وثباتا وقيما في سياستنا واجتماعنا ومؤسساتنا و في مجتمعنا .
وهذا هو معنى إحياء ذكرى القدوات الصالحة، وتقديم عطائها منهجا لاستقامة الحياة.
أولا : الموقف المبدئي المتواصل في مناصرة رسول الله ص ، والدفاع الواعي والعقدي عنه بكل ما أوتي من قوة ، فبعد حصار قريش لبني هاشم في شعب أبو طالب لمدة ثلاث سنين _ حصار اعلامي واقتصادي واجتماعي وسياسي _ يقف حامية الاسلام صلبا لا تهزه الجبال في هذه المواجهة ، 
" قال ابن إسحاق: فلما اجتمعت على ذلك قريش، وصنعوا فيه الذي صنعوا قال أبو طالب : 
ألا أبلغا عنى على ذات بيننا * لؤيا وخصا من لؤي بنى كعب 
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب 
وأن عليه في العباد محبة * ولا خير ممن خصه الله بالحب 
وأن الذي ألصقتم من كتابكم * لكم كائن نحسا كراغية السقب" (3 ).
_____________
ثانيا : يعطينا درسا في الاقدام والتضحية ولو بأغلى الاشياء في سبيل نصرة المبدأ وصونه من التضعضع امام اعتداء الظالمين ، ويتجلى ذلك بصور منها انه كان يضع احد اولاده والمعروف انه الإمام علي ع في مكان مبيت الرسول ص اول الوقت بعد نقله ـ اي الرسول ص الى مكان آخر حتى اذا وقع ضرر وطرأ خطر يصيب ولده دون النبي ص . 
كل ذلك من اجل حرصه على سلامة الرسالة بسلامة شخص الخاتم ص الحامل لها والمبعوث بها رحمة للعالمين ______________
ثالثا : الاعلام الهادف المؤيد للحق ، المناصر للاستقامة وفي احلك مراحل المواجهة مع الظلم والشرك . روي ان ابا طالب نظر الى رسول الله ص وقال: يا بن أخي إنك الرفيع كعباً والمنيع حزباً والأعلى أباً, والله لا يسلقك( 4) لسان إلاّ سلقته ألسن حداد واجتذبته سيوف حداد, والله لتذللن لك العرب, ولقد كان أبي يقرأ الكتب جميعاً, ولقد قال: إنّ من صلبي لنبياً, لوددت أني أدركت ذلك فآمنت به, فمن أدركه من ولدي فليؤ

من به .( 5 )
_____________
رابعا : _ المساندة النفسية، والدعم المعنوي لرسول الله ص ، وبث روح الهمة المتواصلة رغم الظروف العصبية التي اكتنفت طريق الدعوة ، وهذا يبث فينا روح العزيمة الصبر ، ويرفع الهمة في نفوسنا امام هذا الإحباط الذي تفرزه الظروف التي يمر بها بلدنا الحبيب .
يقول في اشعاره :
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضـــة * وابشـــر بذاك وقرّ منك عيونــا .
ودعوتني وعلمت أنّـــك ناصحـي * ولقــد صدقت وكنــت ثمّ أمينـا .
ولقــد علمــت بــأنّ ديــن محمّـد * مــن خيــر أديـان البريّــة دينــا.
والله لن يصلــوا إليـــك بجمعهــم * حتّى أوسّد في التّراب دفينا ( 6 )
، وهو القائل فيه :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامـــى عصمة للأرامل .
وقد وقع هذا البيت في نفس النبيّ ص موقعا عظيما ، ويقول الرواة : إنّ أهل المدينة أصابهم قحط شديد فشكوا ذلك إلى رسول الله ص ، فصعد المنبر فاستسقى ، فما لبث أن جاء من المطر ما خشي منه أهل المدينة من الغرق ، فشكوا ذلك إلى رسول الله ص فقال : « اللهمّ حوالينا ولا علينا » ، فانجاب السحاب عن المدينة وصار حواليها ، فقال النبيّ : « لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسرّه » ، فالتفت الإمام ع إلى النبيّ فقال له : « كأنّك أردت قوله :
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل » ( 7 ) .
________________
خامسا : درس في الوعي والاخلاص للحقيقة المبدئية ، وعدم الرضوخ للمغريات والمناصب والتسامي عن كل هذا الحطام الزائل .
روي انه خفّ جماعة من رؤساء قريش إلى أبي طالب وعرضوا عليه أن يسلّم لهم النبيّ ص لتصفيته جسديا ويعطوه عوض ذلك عمارة وهو من أنبل فتيان قريش ، ومن أصبحهم وجها ، فسخر منهم أبو طالب وصاح بهم : « والله ما أنصفتموني أيّها الحمقى ، تبّا لكم وسحقا ! أتريدون منّي أن اعطيكم روحي وولدي لتقتلوه ، وتعطوني ابنكم اربّيه لكم ! ما لكم كيف تحكمون ، أترجون منّي أن أستبدل محمّداً بعمارة بن الوليد ، فو الذي نفسي بيده لو أعطيتموني العالم كلّه لما استبدلته بظفر من رجل محمّد ، فإليكم عنّي ، لا تكلّموني ، وإلاّ علوت روؤسكم بالسيف » ( 8 ) .
وانصرفوا خائبين خاسرين ، قد خيّب آمالهم وسخر منهم أبو طالب ووقف بصلابة لحماية النبيّ صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم. لقد وقف أبو طالب منافحا عن النبيّ ص ، ولو لا حمايته له لما أبقى القرشيّون للنبيّ ولا لدعوته أيّ ظلّ (9 ) .
________________
سادسا : تبنّي أبو طالب لجناح من اجنحة الحركة الاسلامية وقيامه بدور إيجابي في الدعوة إلى الإسلام ، فقد دعا ملك الحبشة إلى اعتناق الإسلام ، وكتب له رسالة بذلك ، وختمها بهذه الأبيات :
أتعلـــم ملـك الحبـــش أنّ محمّـــدا * نبيّ كموسى والمسيح بـن مريـــم

أتى بالهدى مثل الّذي في هداهما * فكـــــلّ بأمــــر الله يهـــدي ويعصــــم (10)
_______________
سابعا : توظيف الثقل العشائري والسياسي والاجتماعي والمالي لأجل المبدأ والحق والثوابت ، وهذا ما صرح به الخاتم ص بعد رحيل عمه ابي طالب ع ،
قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، قال: لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله (ص) ذلك التراب ، دخل رسول الله (ص) بيته والتراب على رأسه ، فقامت إليه إحدى بناته ، فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله (ص) يقول لها: لا تبكي يا بنية، فإن الله مانع أباك. 
قال: ويقول بين ذلك: ما نالت منى قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب "(11 ).
_______________
ثامنا : الموقف المبدئي بإدامة التأييد والمساندة في وصيته ، وهنا تتجلى قيمة الثبات على المبدأ، حيث لم يدخر جهدا في حياته ، وابى الا ان يديم الثبات وصية لمن بعده ، وهو بذلك يعطينا درسا في التزام خط الاستقامة . قال الحلبي في سيرته:
" أن أبا طالب ع لما حضرته الوفاة جمع إليه وجهاء قريش فأوصاهم وكان من وصيته أن قال يا معشر قريش . . . وإني أوصيكم بمحمد خيرا فإنه الأمين في قريش أي وهو الصديق في العرب وهو الجامع لكل ما أوصيكم به وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن أي البغض وهو لغة في الشنآن . . . دونكم يا معشر قريش كونوا له ولاة ولحزبه حماة والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد ولا يأخذ حد بهديه إلا سعد ) ( 12 ) .
________________
تاسعا : مانتامله من شبابنا الواعد ان يقتدي بهذه القدوة الصالحة ، ببطل التوحيد ابي طالب ع ، في تمسكه بالعقيدة السليمة، واخذها عن مصادرها الصحيحة، وفي الثبات على خط الاسلام الاصيل ، وتقديم العطاء والفداء من أجل هذا الدين العزيز .
سلام الله على حامي الإسلام ، والرصيد الأعظم للدعوة الإسلامية منذ بزوغ نورها .
____________
المصادر :
1 . نهج البلاغة ، ص : 27
2 . نهج البلاغة ، ص:291
3 . السيرة النبوية، ابن هشام ، ص : 139 _ 140 
4 . اسلقه : اي أذاه
5 . غاية السؤول ، الحنبلي ، عن ابن طاووس في الطرائف 302 /ح 388
6 . السيرة الحلبية، الحلبي ، ج2 ، ص : 49 _ 50 
7 . أنسى المطا

لب في نجاة ابي طالب ، دحلان ،ص :25
8 . خزانة الادب ، البغدادي، ج 2 ،ص : 69
9 . موسوعة أمير المؤمنين ، القرشي ، ج1 ، ص : 25 _ 28 .
10 . شرح نهج البلاغة ، المعتزلي ، ج3 ، ص : 224
11 .السيرة النبوية ، ابن هشام ، ج1 ، ص : 417
12 . السيرة الحلبية ، ابن دحلان، ج1 ، ص : 375



صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
التعليق بالفيس بوك
التعليقات
تابعنا على الفيس بوك
تابعنا في تويتر
حالة الطقس
booked.net
استطلاع رأى

هل تفرز الانتخابات البرلمانية العراقية واقعا سياسيا جديدا؟

10 صوت - 38 %

5 صوت - 19 %

عدد الأصوات : 26

أخبار
أستمع الى البث المباشر
Untitled